عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
81
اللباب في علوم الكتاب
ههنا « 1 » يعني أنه في المعنى يؤول إلى ذلك ولا يؤول إليه البتة « 2 » . الثالث : أنها للتبعيض « 3 » . وقد غلّط ابن عطية القائل بكونها للتبعيض فقال : ومن قال إن « من » للتبعيض قلب معنى الآية فأفسده « 4 » . وقد يمكن التبعيض فيها بأن معنى الرجس « 5 » عبادة الأوثان ، وبه قال ابن عباس وابن جريج فكأنه « 6 » قال : فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأن المحرم من الأوثان إنما هو العبادة ، ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغيره مما لم يحرم الشرع « 7 » استعماله ، فللوثن جهات منها عبادتها وهي بعض جهاتها . قاله أبو حيان « 8 » . والأوثان جمع وثن ، والوثن يطلق على ما صوّر من نحاس وحديد وخشب « 9 » ويطلق أيضا على الصليب ، قال عليه السلام « 10 » لعدي بن حاتم وقد رأى في عنقه صليبا : « ألق هذا الوثن عنك » « 11 » . وقال الأعشى : 3763 - يطوف العفاة بأبوابه * كطوف النّصارى ببيت الوثن « 12 » واشتقاقه من وثن الشيء ، أي أقام بمكانه وثبت فهو واثن ، وأنشد لرؤبة : 3764 - على أخلّاء الصّفاء الوثّن « 13 » أي : المقيمين على العهد ، وقد تقدم الفرق بين الوثن والصّنم « 14 » . فصل : [ في معنى قوله : « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ » ] قال المفسرون : « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ » أي ؛ عبادتها ، أي : كونوا على جانب منها فإنها رجس ، أي سبب الرجس وهو العذاب ، والرجس بمعنى الرجز « 15 » .
--> ( 1 ) التبيان 3 / 941 . ( 2 ) الدر المصون 5 / 73 . ( 3 ) والقائل بأنها للتبعيض الأخفش فإنه قال في معاني القرآن : ( وقال : « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ » وكلها رجس ، والمعنى : فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها ، أي عبادتها ) 2 / 637 . ( 4 ) تفسير ابن عطية 10 / 273 . ( 5 ) في الأصل : بالرجس . وهو تحريف . ( 6 ) في الأصل : كأنه . ( 7 ) في ب : السرع . وهو تحريف . ( 8 ) البحر المحيط 6 / 366 . ( 9 ) اللسان ( وثن ) . ( 10 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 11 ) أخرجه الترمذي ( تفسير ) 5 / 278 ، وانظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 5 / 151 . ( 12 ) البيت من بحر المتقارب ، قاله الأعشى ، وهو في ديوانه ( 209 ) واللسان ( وثن ) ، والبحر المحيط 6 / 247 . العفاة : السائلون . والشاهد فيه أنه أراد بالوثن الصليب . ( 13 ) وجز لرؤبة وهو في ديوانه ( 163 ) ، اللسان ( وثن ) ، البحر المحيط 6 / 347 . أخلاء : جمع خليل ، وهو المحب الدي ليس في محبته خلل . الصفاء : ضد الكدر ، وهو مصدر الشيء الصافي . الوثّن : المقيمون على العهد . وهو موطن الشاهد هنا . ( 14 ) عند قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً [ الأنعام : 74 ] . ( 15 ) انظر البغوي 5 / 580 . وفي اللسان ( رجس ) : والرجس : العذاب كالرجز . التهذيب : وأما الرجز فالعذاب والعمل الذي يؤدي إلى العذاب . والرجس في القرآن : العذاب كالرجز .